السبت، 10 مارس 2018

ربما أعبر البحر..

ربما أعبر البحر..
والبحر بحيرة زرقاء،
البحر شارعٌ أو نهرٌ.. البحر طريق.
ربما أغادر، في مساء هادئ
أو في أول النهار..
والأمل يلمع في منزلي
شعاعَ نورٍ على حائط،
أو غيمة من شتاء الأمس
تُركت على الكرسيّ، مضاءةً
أو رأس غزال معلق في الردهة..
ربما أبدأ مرة أخرى،
سوف أخرج من النهر هذه المرة..
هادئًا وبسيطًا،
والساحرات يتركن جرابهن عندي،
مملوءة ذهبًا..
والذهب فراغٌ،
مرايا تعكس الجرح المُخبأ..
هل نحرق القوارب أولًا.. كي لا نعود؟
ونسمي أبناءنا بأسماء أشياء نراها..
زهرٌ أبيض..
وردٌ ينمو أمام أعيننا..
هل ندفن الذكرى؟
وننحر الخيل المقابِلَ حين يتبعنا أهلنا..؟
نحن متنا خلال النهار...
وغنّى في جنائزنا رجال طيبون
يخبئون الله في الأدراج..
تعويذة زرقاء وكلامًا قديمًا.
نحن متنا في طفولتنا..
أنا حضرت عاريًا،
وضعوني في ملاءة بيضاء
وودعوني وداعًا خفيفًا..
لا أذكر الأشياء واللغة..
وصورة البيت ذابت،
ملحًا على حجر مبلل..
لكني أشعر بالدفء..
ربما كان بيتنا دافئًا،
أمي تلفُّ يديها حول النار
وتهمس لها..
والنار تخرج من طفولتها،
زهرةً حمراء.
نحن متنا في طفولتنا
ورمينا أسماءنا الطويلة في هدير السيل..
لم ينج أحد من غيابنا
أنا غبتُ عن أحد غاب عنّي
رجل من الصحراء يتعبه الثلج والمنفى في روما..
هل أغلقتَ -مثلي- الباب على جرحك؟
ودسست تحت الباب منشفة تجفف الدم حين يخرج حارًا ورطبًا؟
غفرتُ لوالدي..
ورأيت طفولتي غزالة منحورة في حجرة البيت.. فهل غفرتَ لوالدك؟
وعلقتَ رأس غزال، أملًا ذهبيًا يلمع في الردهة؟
أنا غفرتُ لك..
وقلتُ: يتعبه الثلج والمنفى في روما..
هذا هو البيت..
وحداثة الأقفال هدهدة الزمن لطفل كبر في غيابك..
ماذا سأفعل إذن؟
سأبيت في المنفى، أيلًا تائهًا، وأحيا سهوًا..
سأرحل أنا أيضًا..
فهم قد ماتوا قبلي..
لاموا المنائر والبلاد.. وغنوا حول النار
ودفنوا مفاتيحهم القديمة في الطين، وماتوا..
جرائر من طين، وشموسًا من طين وبكاءً من طين..
هم قد رحلوا.. منحازين إلى التيه..
وسمعوا خبرًا قديمًا عن تيه الإله.. وتاهوا.
وعن ندم الإله، وندموا..
وعادوا شيوخًا طيبين للبيت
وللأطفال الذين كبروا في الغيابِ فأعادوا طلاء المنازل وغيروا الأقفال
عنّي أنا تغيب؟ لا... قلتُ، سأعبر البحر أيضًا.
سأبدأ مرة أخرى.. واضحًا وبسيطًا.
أتوب عن هزائمَ قديمة، وجراحٍ قديمة..
أقرع كأسي، كأس الوحيد, بحجر..
وأقول لجرح في المخيلة:
تشبه شخصًا أعرفه،
وحيدًا ومنفيًا في روما..
أقول لجرح في المخيلة:
لا.. ربما كان حلمًا.

10/ 16 مارس 2018.

مثلما يتجول في الأنحاء شخص لا ظل له..

الآن، أشعر بأني عارية تمامًا..
مثلما يتجول في الأنحاء شخص لا ظل له.
الآخرون قالوا أني قمت بعمل باهر
لأني استطعت الفرار من القرية القديمة..
خرجتُ دون أقدام،
قلت لهم..
وتركتُ والدي يتعكز على ظله..
لكني رغبت طويلًا بالذهاب قرب النهر
حيث المياه أكثر ألفة
والبنات يضحكن بأصوات مسموعة..
لكن الآن، لا أعرف لماذا لا أتمكن من أن أقول شيئًا..
الناس يدعونني بأسماء لا حصر لها
وأصدقائي القدامى، يسألونني كل حين عن حال الشاعر..
إنه يجلس على الدرج، ويشعر بالحزن لأنه يتلاشى..
لقد عرفت كل شيء في وقت باكر
في السابعة، استلقيت تحت تمثال في الساحة
ولوقت طويل عددت هذا سرًا..
سئمت الأمر بعد عامين..
ولم يعد ممتعًا أن يهبط الإمام فوقي في كل زوايا المنزل.
ظللت لوقت طويل لا أقول شيئًا
ولم أستطع أبدًا أن أتخلص من الألم في أحشائي
فيما بعد قررت ألا أصير أحدًا
وكتبت رسالة طويلة عن الطريقة التي أود أن يدفنوني بها..
بما أني متُّ الآن، قلت..
أريد من الجميع أن يتركني أطفو.
كنت في الحادية عشرة تقريبًا
وآه، أعرف أني تألمت كثيرًا في حياتي.
الآن، لماذا ما زلت أشعر بالتعاسة؟
على الرغم من أني ذهبت بعيدًا
عن تلك الحفرة التي ولدت فيها
وعن غرفة رقم تسعة، في أول ممر على اليسار
حيث استمتعوا كثيرًا بصعقي بالكهرباء
وحيث النساء يدرن في الأزقة مصابات بالجنون
بسبب رجل مزق أحشاءهن
أو آخرٍ أطلق إسمه على أبنائهن
كثيرًا ماتصاب النساء بالتعاسة في الفراش..
حلمت بأن أحيا، وأن أكتب عن النهر، وأن أفرح دون أن يجرحني شيء ما..
هتفت للنوارس، وللغرقى، وحررت القوارب المربوطة على الشاطئ..
والآن، وأنا أتذكر المساء
أفكر بالبلدة، وكيف تبدو من دوني.
وأعرف أني لن أنجو أبدًا.. أبدًا.
وما من جدوى بعد الآن، من استعمال الكلمات لرواية
الألم.
٢٤ فبراير ٢٠١٨.

حكاية الشاعر الذي ينسى ظله..


الجميع يعرف أني لم أعد شاعرًا
منذ سكنت قرب البحر في البلدة القديمة
وفي إحدى تلك الليالي العاصفة
أدركوا أن الشاعر لن يظل حيًّا للصباح التالي..
لم يعرف أحد إلى أين ذهب الشاعر
..وقد كنت أقل الجميع اهتمامًا بالأمر
البعض يقول بأنه صار ظلًا، وطار..
والبعض الآخر- ممن يقضون وقتًا طويلًا في البحر-
يقولون بأنهم يرون جسدًا طافيًا، من حين لآخر، يشبه جسده..
أما أنا، فما يهمني هو أن عينيّ لم تعودا مائلتين للزرقة
وأني لم أعد حزينًا بشكل فاضح
وحين أكون مارًّا، لا أسمع أحدًا يدعوني بالشاعر الذي ينسى ظله..
لم يكن لديّ الكثير من الأصدقاء
لكن في بعض المساءات
أتذكر صديقي، الذي كان جيدًا في السخرية، واستخدام الأسلحة..
وحين أراد أن يموت، قال: هذا مضحك..
سألته ذات مرة عن الحياة
فقال بأنها تشبه وقتًا ضائعًا
وأنه يفضل ألا يفعل خلالها شيئًا..
تطلب مني الأمر الكثير من السنوات لأتآلف مع ذاك الوقت الضائع
ولأتوقف عن الرغبة في أن أصير عظيمًا
ولأبوح بأني كنت شاعرًا فيما مضى، دون أن تنهمر عيناي بالدموع..
لم يكن لديّ أصدقاء
وفِي البلدة القديمة
كنت أجوب الشوارع كلها تقريبًا
من الصباح إلى المساء
واضعًا كفيّ في جيوبي..
وحين يسألني أحد عن الذي أفعله
أقول بأني أحاول أن أعيش حياتي
وأعرف أن الوقت قد تأخر كثيرًا لفعل ذلك..
فقد قضيت طفولتي كلها تقريبًا،
وأنا أحفر الكلمات على جذوع الأشجار ..
حتى ضاق جدي بالأمر
وأخبر أمي أنها أنجبت ولدًا مريضًا
"سيكون شاعرًا ولن يتمكن من إطعام نفسه "
وقال بأن من الأفضل لو تحاول إنجاب طفل آخر
يصير أكثر نفعا أو يساعدها في رفع الأشياء حين تتقدم بالعمر..
عشت الحياة بشكل خافت
وعندما كبرت في وقت ما
لم أنتبه لذلك إلا بعد مضي زمن طويل
كنت ما أزال هناك، ألاحق ظلًا يتجول في الباحة
حتى أوقفني شخص وقال:
توقف عن هذا وانظر لنفسك."
وحين عدت إلى المنزل نظرت للمرآة
ووجدت رجلًا يحدق إليّ من خلالها..
13 ديسمبر 2017.

الأحد، 22 أكتوبر 2017

بينما يسقط الليل عند قدمي كحصان منهك.


لأنك قلت سلفًا بعض الأشياء هنا وهناك
عن الأيائل، والأشرعة المربوطة، وعن الأمواج التي تبلل حياتك..
يظن البعض بأنك ستموت حتمًا
مالم تنزع تلك الأشواك المثبتة في حلقك.

إنه السحر، شيء ما يجعل السماء أكثر زرقة..
سيقول البعض -ممن لم يكتب على الأرجح شعرًا في حياته-
بينما سيقول آخرون بأن الشعر مجرد كلمات، مثل أي شيء آخر.
حسنًا، هؤلاء من أودّ تقبيلهم..
خاصة حينما يرددون ذلك بتعالٍ..

قضيت أحد عشر عامًا في كتابة الشعر،
فعلت ذلك- في أفضل الأحوال- وأنا أعصر معدتي..
استطعت دائمًا أن اتحدث ببراعة
عن الحانات، وعيون الذئاب التي تنعكس في البحيرة
وعن الخطوات الخفيفة، وعن شخص ما يذبح آخرًا في الأسفل..
بينما يسقط الليل عند قدميّ كحصان منهك.

لأكون عادلًا، منحني الشعر في بعض الأحيان سرورًا عابرًا
نوعًا من اللذة المقيتة، التي يمنحها التفكير كثيرًا في الموت
أو أن تكون في فراش إمرأة، تشبه ، إلى حد ما، أمك..
عدا ذلك، لم يسبق وأن شعرت بأن الألم يخبو شيئًا فشيئًا
وأن قلبي الذي يحتضر بنعومة كغزال دافئ، سيغفو بسلام في نهاية الأمر..

لم تفعل الكلمات شيئًا، عندما نمت لأيام في قلعة قديمة
بينما جيش من الذئاب الزرقاء يعوي في الخارج..
ولم تفعل شيئًا، عندما ترجلت من شاحنة مسرعة، خائفة وعارية تقريبًا.

تحتاج إلى القليل من المتاعب كي تغدو شاعرًا
أما عندما تتوه في العودة للمنزل،
وكلتا كفيك ترتجفان في جيوبك
عندما تصل المياه إلى أنفك
أو عندما تستيقظ في الليل بخنجر مثبت على عنقك
فإن آخر ما قد تحتاجه
أيها الصبي المُحِب للشعر
أن تعرف كم تصبح السماء شديدة الزرقة
عندما تبدو المرأة التي تحبها في غاية التعاسة.

٢٢-٩-٢٠١٧

الأربعاء، 2 أغسطس 2017

أُصبنا بالتعاسة، بسبب آبائنا على الأرجح..


أصبنا بالتعاسة، بسبب آبائنا على الأرجح..
بإمكانك تبسيط الأمر لأي غريب في حانة..
في حال سألك عن صباحاتك، ولمَ تبدو غائمة.
الآباء.. بعدها يصبح كل شيء جليًّا..

أصبنا بالتعاسة، ولا يشبه الأمر أن تصاب بنزلة برد..
ففي طفولتك، يبدأ الشعور بالسأم بالتزايد
وتصبح أقل رغبة في الركض حول الجميع
أو الحصول على تصفيق حار..
وفِي السادسة عشرة، ربما تصبح بطريقة ما، مثليًّا.
إنها طريقة البعض للإنتقام من آبائهم.
وفي حال بقيت حيًّا، لسنوات تالية..
فستبدأ بالبحث عن منافذ الريح في رأسك
وعن الذئاب الحزينة، التي تولد كذلك..
وعن الغرباء الذين تبيت في أسرتهم
وأيديهم الباردة تحت الغطاء..

ومع الوقت، تصبح أكثر يأسًا
وتتخلى تدريجيًّا عن الرغبة في العودة للمنزل..
وقد تبدأ بحقن نفسك، أو الإلتهاء بسباق الدراجات.
وحينما تفكر في الحياة،
فأنت ستعيش لعامٍ آخرٍ على الأرجح.
الثلاثين؟ تبدو بعيدة جدًا.
وقد تصر على الموت قبلها، منتحرًا تقريبًا، نكاية بوالدك.

وفِي حال بقيت يقظًا، لسنوات أخرى
بفضل الأصدقاء ربما، أو المورفين..
فعلى الأرجح، ستكون ما تزال تعيسًا،
بالرغم من كونك، على الأرجح أيضًا، ستكون قد غفرت لوالدك.
لقد كان تعيسًا هو الآخر، وهذا كل ما في الأمر..

أصبنا بالتعاسة، بسبب آبائنا تقريبًا..
حتى حينما صرنا أكبر منهم
وكنسنا فتات قلوبهم
واتكأوا علينا كعكاكيز من بلوط..
حتى حينما تضاءلوا، مثل ظل يبتلعه النهار
وتشبثوا يتامى، بأطراف أثوابنا، لنتسامر معهم قليلًا..
كنا ما نزال تعساء
لأن أبًا قديمًا تركنا ننمو في الظل
ونتعفن من الحزن في العلية
وأخبرنا مرة-بينما يلقم بندقيته-
أن الأبوة عمل لايناسبه،
وأنه تمنى لو لم يكن موجودًا..
وسحبنا جثته ذات مساء من النهر
وحين أفاق، لم يأسف سوى لبقائه حيًّا..

أصبنا بالتعاسة، وهذا شيء لا يمكن شرحه..
فبينما نحنو بيد على آبائنا المتكسرين،
المنكمشين في نهاية العمر
-مثل يتامى على زورق مكسور-
نكدس الأدوية في الخزائن
ونتجاهل هذه المشارط على الرف
وندفن الرغبة القديمة في مشاهدة الأب مقتولًا..
خاصة حينما ينادي بحب على أسمائنا.
١ أغسطس ٢٠١٧.

الأربعاء، 28 يونيو 2017

يقول بأنه ذاهب ليلعق جراحه..


من مركب لمركب
لم نكف يومًا عن حزم الحقائب
والشتاءات الكثيرة التي قضيناها دون موقد
والغرباء الذين يلهثون عطاشى فوق آبار أجسادنا
 ويتركون ثمن الخبز على الطاولة..

لم نكن مغرمين، كُنَّا حزانى..
ولهذا قضينا كل هذه المساءات سويًا.
وبالدم الذي يتخثر في عروقنا من اليأس
كنا نجلس فوق الأرض العارية
ونبدأ بالكتابة..
وعرفنا كيف تخرج كل هذه الوحدة من العظام
وكيف نهرع في الليل إلى الأسرة باكين،
وكيف ننام، ونحن نضع أيدينا على قلوبنا..
 لنكتم أنينها.

دخلنا إلى الغد بصعوبة
كمن يدخل إلى غرفة مليئة بالغبار..
ومثل جنود مهزومين
طرقنا أبواب طفولتنا.. من حين لآخر
 وارتمينا فوق أحضان أمهاتنا.

وفِي أزمنة كهذه،
حين يكون الحديث عن الحرب أمرًا غير مستحبًا
-كأنها شيء تجاوزه العالم،
على الرغم من أن هديرها يُسمع من النافذة-
نقول بأننا شعراء،
ونبدأ بالحديث عن الفقد
وعن أمهاتنا اللواتي هجرننا في الطفولة
وحين لا يكفي هذا لتبرير أحزاننا
نخترع أمهات زرقاوات يظهرن في الليل
وأشخاص كثر نسكن أجسادهم
ونبدأ بالشكوى من الأصوات في عقولنا
 وبالحديث عن الكآبة، يصبح كل شيء كافيًا.


لم نكن مغرمين، كنا حزانى
وفِي القطارات التي تغادر - مثلنا- دومًا
يجلس الصمت بيننا..
وحين ينعكس النهار على النافذة
نُشير للطقس..
ولم يسأل أحد الآخر عن وجهته
ولا عن حاجته للرفقة..
كنا نتبع بعضنا دون امتنان
ونتشارك السجائر
 ونقول بأننا شعراء، في حال الحديث عن أحزاننا..


رأيت الغزلان وهي تنتحر في عينيه
وراقبت معصمه وهو ينزف في الرواق البارد
وحين رفعت جسدي بصعوبة لأشير إليه
سألته عن شكل جنازته
فهمس بأنه يريد أن ينزف حتى يموت
حتى تذهب كل اللحظات التعيسة بعيدًا
 عندها، أستطيع حرقه مثل كومة من القش.


لم نكن مغرمين
تحدث مرات عن المطر
وعن الخلد الذي يحفر في قلبه
وقال بأنه اصطاد طائرًا
عندما كان طفلًا
وأصيب بالذعر حين لم يحلق مجددًا..
وفي الليل
يغادر أولًا
يقول بأنه ذاهب ليلعق جراحه..
تحدث مرات عن شكل جنازته
وقال بأنه اصطاد نفسه
حين كان طفلًا
 ولم يحظ حينها سوى بعزاء بسيط.
آلاء حسانين
٢٨ يونيو ٢٠١٧.

الأحد، 11 يونيو 2017

لم يحب أحدٌ الحديث عن الرفاق الميتين.


أجيد الحديث كشخص بارع
لكنّي أفضل رواية كل شيء بعجالة
لأن الحزن يطفح مع المزيد من الثرثرة
 وأنا أحرص على إبقاء بئر قلبي مقفولًا..
في الماضي،
عثرت على صديق عرفته تحت جسر
وقد اختار البقاء،
على الرغم من كونه أحد أولئك الذين ينتحرون يافعين..
قال:" هنا أو هناك، سأظل أتألم دومًا."
وعلى عكس الذين علقوا أنفسهم أو قفزوا في النهر
وجدنا طريقة للسيطرة على أحزاننا
كانت تنبح في الليل وأحيانًا تنطلق هاربة في أحلامنا
إلا أن ظلها لم يكن ليتجاوز العتبة
 حتى حين يكون الباب مفتوحًا..


مشينا طويلًا، أكثر مما نحتمل وأقل مما نريد
اعتبرنا أنفسنا أحرارًا، على الرغم من كوننا ضائعين.
امتلك كل منّا ذكريات يصمت أمامها
عن طفولة سيئة وأب لا نحب تذكره
وعن حفرة في القلب تبتلع كل شيء أمامها
وأصدقاء ماتوا من شدة اليأس
وقلنا: سافروا مع البحر..
 وعن الحنين للمراكب، والأجنحة، وكل ما يحمل المرء بعيدًا.


لم نعرف الثرثرة، واعتدنا أن نكون وحيدين في أحزاننا..
مرة أشرت إلى يراعة تمر، ونظر بدوره إليها
ومرة راقبنا سويًا ظلالنا، وهي تطول وتقصر، وبدا علينا السرور..
وفي بعض الليالي
حين ننتهي مبكرًا من التجول داخل رؤوسنا
نبدأ - كل بمفرده- بتذكر الأروقة المظلمة
والمراهقات المكتئبات اللواتي يتضاجعن بيأس
والعيون المثبتة بهلع على مثيلاتها أمام المرايا
وصرخات الفزع حين يلمسنا شخص ما خطأ
 والأصدقاء الذين يحقنون أنفسهم - بوهن- أمام عيوننا، ولا يتفوه أحد.


لم يحب أحد الحديث عن الرفاق الميتين
وغالبًا فضلنا لو أنكرنا وجودهم
لم نعتبر الموت بطولة ولا الحياة أيضًا
وامتلكنا أقدارًا متساوية من اليأس والحزن والضجر
كيلا نغمض أعين الجثث المستلقية تحت أقدامنا، أو نصرخ حين اكتشافها..
وسخرنا أحيانًا من موتانا الذين امتلكوا أحدًا يبكي عليهم
واتفقنا على اعتبار الجنائز نوعًا كريهًا من الترف
 فيما راح كل منّا يتمنى بصمت لو يحظى بواحدة..
تأخرنا في الخارج لوقت طويل، لأننا لم نملك منازلًا نعود إليها
 وتحلينا بالصمت لوقت أطول، لأن أحدًا لم يسبق وسألنا عن أحوالنا.
آلاء حسانين
11 يونيو 2017.

الأحد، 4 يونيو 2017

عامان تقريبًا يكفيان للحداد على شخص ما.



عامان تقريبًا يكفيان للحداد على شخص ما
بعدها، يصبح بإمكان المرء الخروج للحياة بأعين مفتوحة.
لا يحب الناس الإعتراف بذلك
حين يتماثلون للشفاء من أحزان قديمة 
وبعد أعوام أخرى 
لا يتمكنون من تذكر وجوه موتاهم..

عاش الإنسان طويلًا بما يكفي كي يكون صريحًا 
وكي يدرك بسهولة أنه ليس فريدًا 
وأن حياته انبثقت على سبيل الحظ
وأنه سيموت طبعًا، مثل من ماتوا 
وعلى شيء مثل هذا ألا يدهشه.. 

عاش الإنسان بما يكفي أيضًا 
كي يكتشف أنه وُجد وحيدًا
وأن الأمهات- المتذمرات بشكل رئيسيّ- يدفعن أبناءهن للجنون
وأن وجود الأب يشبه ارتداء معطف في يوم حار..

كل شيء واضح، 
ليس لأني ولدت بميل كبير للتشاؤم
لكنّي بالكاد حصلت على حياة خفيفة 
أظن أحيانًا أنها ظل لشيء ما.. 
ولو تُرك الأمر لوالديّ
- الذين ربيا أولادًا كُثرًا- 
لما أطلقوا عليّ إسمًا.. 

لم تعد الحياة تملك ما تعطيه أكثر
وقد أخذ الموتى، كل شيء قبل رحيلهم 
وفي بلدة كهذه
لا يجد الناس شيئًا يتحدثون عنه
الأمل تفاهة 
السياسة ضرب من الماضي 
والعودة بعد الموت لم تعد أمرًا مهمًا..


لنكن واضحين
آباؤنا ماتوا غالبًا لأجل أحزابهم 
إبينما نجد نحن مشقة في صعود السلالم نحو أسرتنا.
 آلاء حسانين 
٣ يونيو ٢٠١٧

الأحد، 30 أبريل 2017

حتى النهر.. يتمنى أن يجف.

كل مساء يضع الليل يده اللينة في يدي،
ويبكي بارتجاف مثل طفلٍ صغير..
وأنا أنصت
لليل الذي يبكي
لأن الصبح يغادر دومًا
قبل أن يصل إليه.

يقول الليل بحزن هادر:
يبدو الصباح مثل حلمٍ.
حيث أسمع كل ليلة صوت خطواته
تغادر عبر الرواق..
وحين أنهض، لا يكون موجودًا.

يقول الليل أيضًا عن النجوم: ليست حشرات مضيئة
بل دمع أولئك الذين انتحروا في صباهم.

فكرتُ في صباي أن أصبح نجمة
حيث أني ميالٌ لأن أصير كئيبًا
وأن الليل لا يهدهد رجفة الحزن في قلبي
وأني مثل جريح الحرب، أموت، وأصحو..
وأني أحلم، حين أقف أمام النهر
بجسدي يطفو فوقه..
لكن أحد الأصدقاء ينادي
فأعود لأحتفل بصخب في الداخل.

أتذكر أحيانًا امرأة بالأبيض والأسود
تشبه وميضًا فوق الجسر..
ويتحدث عنها النهر أيضًا
وعن ذاك الضوء في عيونها
وعن رغبتها في العيش طويلًا..

كانت تريد أن تجرب الوصول، يقول النهر..
لذلك تركت جثتها تطفو
للنهر ضفاف كثيرة
وأحيانًا، لا يصل المرء إلا ميتًا.

يظن النهر ألا أحد ينصت إليه،
لكنّي أراه، في تلك المساءات المشبوبة بالغرق
يخرج مرتجفًا من أعماقه،
تاركًا آثار خطواته المبللة فوق العشب.

حتى النهر، يتمنى أن يجف
وأن يكون بانتظاره أحدٌ ما
حين يعود محمومًا
وأن يحمله مثل طفل إلى سريره
أو إلى تابوته..
يحلم النهر بتابوت يبتسم فيه
وحشد من العطشى يشيعون جنازته.

أسمع بعض البكاء أحيانًا
وأقول: لربما النهر يبكي، مثل ذئب ضائع.
وأخرج في بعض المساءات باحثًا عنه
وقلبي قنديل يوشك أن ينطفئ..
وأراه، يختبئ عاريًا بين الشجر الوارف..
و أسأل النهر عن أمه، وعن الطريق إلى منزله..

في البدء، كنتُ أظنها نجمة نسيها الليل خلفه، يقول النهر..
لكنها كانت أمي، وكانت تشبه وميضًا فوق الجسر
وحاولت ذات ليلة عناقها، لكنها أخذت تطفو فوق السطح.

كل مساء أعود للمنزل حزينًا،
وأفكر بالنهر، وبالأمهات اللاتي يومضن فوق الجسور..
وأغفو فوق الدرج، أو فوق كرسيّ خشبيّ..
وحين أستيقظ أحيانًا
لا تكون المدينة موجودة
والليل قد غادر لوقت طويل
والنهر الذي يحب أن يغيّر وجهته، أو هيئته..
يمضي هاربًا بين الشجيرات، هازًا ذيله.
وأتصور دميَ الحار مسفوحًا، أمام العتبة.
مشهد واحد وينتهي العالم، مشهد أخير..

لكن امرأة رمادية تومض أحيانًا في أحلامي
وتسحبني نحو الظل
وتغلق الأدراج على سكاكين المطبخ
وتمنحني قلبًا أخضرًا، نسيه الخريف وراءه.

وأوشك أن أقول:
أحلم بامرأة رمادية
تومض في أحلامي.
لولا أني أغفو على الدرج
وأستيقظ أحيانًا في فراشي.

آلاء حسانين
٣٠/إبريل/٢٠١٧.